عثمان بن جني ( ابن جني )
287
الخصائص
ودونك زيدا تظفر بسلبه ؛ ألا تراك في الجزم لا تحتاج إلى تصوّر معنى المصدر ، لأنك لست تنصب الجواب فتضطرّ إلى تحصيل معنى المصدر الدالّ على أن والفعل . وهذا واضح . فإن قيل : فمن أين وجب بناء هذه الأسماء ؟ فصواب القول في ذلك أن علّة بنائها إنما هي تضمّنها معنى لام الأمر ، ألا ترى أن صه بمعنى اسكت ، وأنّ أصل اسكت لتسكت ؛ كما أن أصل قم لتقم ، واقعد لتقعد ؛ فلمّا ضمنت هذه الأسماء معنى لام الأمر شابهت الحرف فبنيت ؛ كما أن كيف ومن وكم لمّا تضمّن كل واحد منها معنى حرف الاستفهام بنى ؛ وكذلك بقيّة الباب . فأمّا قول من قال في نحو هذا : إنه إنما بنى لوقوعه موقع المبنىّ ، يعنى أدرك واسكت ؛ فلن يخلو من أحد أمرين : إما أن يريد أن علّة بنائه إنما هي نفس وقوعه موقع المبنىّ لا غير ، وإمّا أن يريد أنّ وقوعه موقع فعل الأمر ضمّنه معنى حرف الأمر . فإن أراد الأوّل فسد ، لأنه إنما علة بناء الاسم تضمّنه معنى الحرف ، أو وقوعه موقعه . هذا هو علّة بنائه لا غير ، وعليه قول سيبويه والجماعة . فقد ثبت بذلك أن هذه الأسماء ، نحو صه وإيه وويها وأشباه ذلك ؛ إنما بنيت لتضمّنها معنى حرف الأمر لا غير . فإن قيل : ما أنكرت من فساد هذا القول ، من قبل أن الأسماء التي سمّى بها الفعل في الخبر مبنيّة أيضا ، نحو أفّ وأوّتاه وهيهات ، وليست بينها وبين لام الأمر نسبة ؟ قيل : القول هو الأوّل . فأما هذه فإنها محمولة في ذلك على بناء الأسماء المسمّى بها الفعل في الأمر والنهى ، ألا ترى أن الموضع في ذلك لها ، لما قدّمناه من ذكرها ، وأنهما بالأفعال لا غير ، ولا يكونان إلا به ، والخبر قد يكون بالأسماء من غير اعتراض فعل فيه ، نحو أخوك زيد وأبوك جعفر . فلمّا كان الموضع في ذلك إنما هو لأفعال الأمر والنهى ، وكانا لا يكونان إلا بحرفيهما : اللام ولا ، حمل ما سمّى به الفعل في الخبر على ما سمّى به في الأمر والنهى ، كما يحمل هذا الحسن الوجه على هذا الضارب الرجل ؛ وكما حمل أنت الرجل العبد ( على أنت الرجل العلم والحلم ) ونحو ذلك . فإن قيل : هذا يدعوك إلى حمل شيء على شيء ، ولو سلكت طريقنا لما